ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

209

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

يقال : نفقت السلعة ؛ إذا راجت ، وكان لها سوق ، ونفقت الدابة ؛ إذا ماتت ، وموضع المناقضة هاهنا في قوله : إنها إذا نفقت كسدت ، فجاء بالشيء ونقيضه ، وجعل هذا سببا لهذا ، وذلك من المغالطة الحسنة . ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن فتوح بلد من بلاد الكفار ؛ فقلت في آخر الكتاب « 1 » : وقد ارتاد الخادم من يبلغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها ، ويمثّل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها ، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها ، وهي عرائس المساعي فأحسن الناس بيانا مؤهّل لإبداع حسانها ، والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها التي صحّتها في تجريح الرجال ، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال ، واللّيالي والأيام لها رواة فما الظن برواية الأيام والليال . في هذا الفصل مغالطة نقيضية ، ومغالطة مثلية ؛ أما المغالطة المثلية فهي في قولي : « وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال » « 2 » وقد تقدم الكلام على هذا وما يجري مجراه في القسم الأول ؛ وأما المغالطة النقيضية فهي قولي : « وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجل » وموضع المغالطة منه أنه يقال في رواة الأخبار : فلان عدل صحيح الرواية ، وفلان مجروح : أي سقيم الرواية غير موثوق به ، فأتيت بهذا المعنى على وجه النقيض ، فقلت : صحة أخبار هذه الفتوح في تجريح الرجل : أي تجريحهم في الحرب ، وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به . وقد أوردت من هذه الأمثلة ما فيه كفاية ومقنع . فإن قيل : إن الضرب الأول من هذا النوع هو التجنيس الذي لفظه واحد

--> ( 1 ) قد مضت هذه القطعة في آخر كتاب طويل كتبه المؤلف إلى دار الخلافة عن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب يتضمن الإخبار بفتح البيت المقدس واستنقاذه من أيدي الكفار ، والكتاب يبتدي في ( ص 132 من الجزء الثاني من هذا الكتاب ) والقطعة المذكورة تجدها في أول ( ص 138 منه ) . ( 2 ) هذا من باب الجناس على ما يقرر هو بعد سطور .